المشهد السياسي الكويتي اليوم هو نفسه ذاك المشهد السياسي للعام 86 ، وإن كان المشهد اليوم يختلف جوهريا فقط عن العام 86 لعدة أسباب أهمها : أن رجالات ذاك العهد وذاك الزمن كانوا يريدون بحق حماية الكويت وصونها ورفعة شانها ، فلم يكن هناك من يحركهم ، ولم يصبحوا في يوم من الأيام دمى للآخرين لسببين مهمين :
الأول: أن الحاكم وأبناء الأسرة في ذلك الوقت لم يكن بينهم صراعات أو خلافات بل كانوا موحدون .. لذا هم لم يكونوا بحاجة لدمى سياسية يحركونهم وينفذون مخططاتهم دون أن يكون للدمى الحق في السؤال عن ماذا بعد..!
الثاني: أن السياسيون السابقون كانوا يمتلكون على الأقل عقولا تفكر فلا ينقادون خلف صراعات أبناء الأسرة بل على العكس كانوا يتضامنون مع بعضهم البعض كلما شعروا أن الأسرة تضامنت مع بعضها وشدت من أزر بعضها البعض
أما اليوم فما لدينا ليسوا بنواب وإنما دمى ينقادون من قبل الآخرين ، طبعا لا أعمم على الكل ولكن لا أبالغ إن قلت أن أكثرهم أصبحوا كذلك ، هم يدعون المحافظة على الكويت ولكن أي محافظة يقصدون ؟
أي محافظة وواحدهم يريد أن يقتص لنفسه فقط وليس همه الملايين الذي ادعى أنها أهدرت ؟
أي محافظة وهم من أوقفوا الكويت على رجلها وسيشلونها لاحقا على ملايين خمس ، وهناك مليارات ضاعت دون أن نجد من يحاسب عليها ؟!
أي محافظة وهناك مليارات صرفت وسبق لهم أن هددوا باستجواب رئيس الوزراء إن أقر قانون الاستقرار الاقتصادي " وسموه بقانون الحيتان " وها هو يقر وتصرف ملايينه بل وملياراته ولم نسمع لهم صوتا واحد كما وعدوا ..!
إنه استخفاف بالعقول يا سادة وليس أكثر ، أنا هنا لا أدافع عن هذا الوزير أو ذاك ، ولا عن هذا الرئيس أو غيره ولكن ..
في العام 86 قدمت 4 استجوابات لعدد من الوزراء فحل المجلس حلا غير دستوري وعلق العمل ببعض نصوص الدستور ..
واليوم يأتي لنا من يدعي حماية الدستور ليعيد نفس السيناريو ويكرره ، والغريب أنه حتى لم يتوقف عند حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " فأين هم من هذا الحديث ؟!
لا أعلم سبب تقديم الاستجوابات في يوم واحد ، بل ولا أجد سببا أو مبررا مقنعا سوى أن هناك نية مبيته من قبل البعض بالسير نحو تعليق العمل بمواد الدستور ..!
وإلا فبماذا يمكننا تفسير وجود ثلاث استجوابات تناقش في يوم واحد لعدد من الوزراء ورئيسهم معهم ..!
هم يعتقدون بأنهم سيتسببون لهم بإرباك فيجبرونهم على أحد الأمرين.. إما الاستقالة وإما الحل الغير دستوري ، وفي كلتا الحالتين سيقولون هربوا من المواجهة ..!
للأسف أنني أكتب مقالا قد يعتقد البعض أنه دفاعا عن الحكومة والوزراء وهذا ليس بالحقيقة ، ولا أنا أتمنى أن أوضع هكذا موضع أصلا .. ولكن لنأتي ونتفكر قليلا بما سيكون عليه الوضع فيما لا قدر الله اتخذ قرار لا نرضاه جميعا ..
سيقف هذا وسيقف ذاك وسيخطبون خطبهم النارية الثورية ويتغنون بالدستور وبأنهم حماة الديموقراطية ولن يتمكن أحد من ثنيهم عن المضي قدما في الذود على الحريات ومصالح الوطن وما إلى غير ذلك من كلام إنشائي ...
ومن ثم ينطلقون متقدمي الركب نحو المواجهة ويسير خلفهم المغيبون والفاقدون لعقولهم للأسف .. إلى حين البلوغ لنقطة الالتقاء والتصادم فإنهم سيبدؤون بالتراجع رويدا رويدا إلى أن نفاجأ بأنهم باتوا ليس خلف الركب فحسب ، ولكنهم وصلوا لبيوتهم يجلسون ما بين أهليهم والناس في الشوارع يضربون ويقتلون " والعياذ بالله ".
وللعلم فقط أني سأكون أول المعارضين إن مس الدستور .. ولكنني لن أسلم عقلي لهذا أو ذاك ليغيبه ويلعب به ويقودني إلى حتفي إرضاء لأعمامه وأسياده ..
بل أنني سأكون من الداعين لمواجهة ذلك عبر الاعتصامات السلمية والتجمعات السلمية على غرار ما كان في العام 86 وإن شابتها بعض الشوائب " طبعا من الحكومة وقتها "..!
وقد يقول البعض هذا ما سيفعله الجميع ، ولكنني أقول لهم لا لن يكون هذه المرة كذلك .. بل أننا مقبلون على مواجهات لن تحمد عقباها وللأسف ، فهناك من يتربص بالشعب ويريد أن يجعله ضحية وأن يجعله هو فتيل ومن ثم قتيل يجلس هو لاحقا على جثثهم ليبسط سلطته وسطوته وللأسف ..!
نعم هذه المرة غير ، والمواجهات غير .. فالعقول لم تعد موجودة ، وحماسة الشباب هي الطاغية ، وهناك من غذاها ويغذيها طوال السنوات السبع الماضية ، فلا تعتقدوا أن مسميات الداخل والخارج أتت اعتباطا ، ولا الدماء الزرقاء والصفراء أو أي كان لونها كانت محض صدفه وشعارات وقتية ، ولا الحيتان وقوانينهم ولا أموالهم كانت هي المقصد ، فكما كان من هذا الطرف من هم من أصحاب المليارات والملايين فأيضا من الطرف الآخر هناك من هم من أصحاب المليارات والملايين وإن لم يكونوا معلنون ..!
ولا تعتقدوا أن " عيال بطنها " عادوا هم أبناء الداخل " وعيال " من ليسوا من " بطنها " عادوا هم من الخارج ، ولكنهم أشاعوها وأرادوها هكذا لغاية في أنفسهم المريضه ، ولكن إن فكرنا قليلا وأمعنا النظر في كشوف المناطق وقاطنيها فسنجد أن أبناء بطنها كانوا ولازالوا يقطنون الجهراء وغيرها من المناطق ..!
هذه هي الحقيقة قبل أن نسلم عقولنا للآخرين الذين عاثوا في الأرض فسادا ، فما جرى للكويت عام 86 وما تلاه لا يمكن أن يتمنى عودته عاقل إلا من هم أصحاب مصالح ، وها هم اليوم يحاولون ان يعيدون هذا السيناريو ، بل والقادم من الأيام ستكشف لنا المزيد من التبع الدمى والذين سنرى استجواباتهم تقدم لوزيران آخران للقضاء على ما تبقى من أمل في الحرية ومتنفس في الديموقراطية ...
ولا حول ولا قوة إلا بالله ...