في المقال السابق أشرت إلى انني سأتحدث في هذا المقال عن مدى مشروعية انعقاد لجان مجلس الأمة من دون وجود نصاب، مع نشر الغياب لأغلبية أعضائها في الجريدة الرسمية، مع أنه لا تعتبر اللجنة منعقدة مع عدم وجود نصاب صحيح لانعقادها، وسأكشف لكم السر في هذه الممارسة غير المسؤولة. وها أنذا اليوم أتناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل والوضوح، فقد نشر في الجريدة الرسمية خلال السنتين الماضيتين، وفي الأعداد الأخيرة على وجه الخصوص، غياب لأعضاء لجان متعددة منها لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية ولجنة المرأة وغيرها، إعلان عن غياب ما يزيد على نصف أعضاء هذه اللجان بما يعني اعتبار عدم الحاضرين من الغائبين على الرغم من أن النصاب في اللجنة لم يكتمل أصلا.
ولا أكشف سرا إن قلت إنه تمر على مجلس الأمة حالة من الهُزال في بنائه المؤسسي وفي احترام اللائحة الداخلية وسلامة عمل اللجان، ففي الوقت الذي أصبحت فيه ظاهرة عدم اكتمال نصاب اللجان حالة ملحّة، وبدلا من أن يتم رفع اجتماع اللجنة إلى حين اكتمال النصاب، وبدلا من أن يتم اتخاذ إجراءات صارمة قد تنتهي إلى الفصل من عضوية اللجنة وربما المجلس، نجد أن أعضاء المجلس أنفسهم قد ابتدعوا بدعة غير مشروعة وغير حسنة، ألا وهي اعتبار اللجنة منعقدة بصفة «لجنة فرعية» إذا تحقق فيها حضور عضوين أو ثلاثة أعضاء حسب عدد أعضاء اللجنة، وقد ترتب على ذلك أن أعمال اللجان تتم وهي غير مكتملة النصاب بصورة فيها خرق للقانون وإهدار لمبدأ تمثيل الأمة كافة المبادئ البرلمانية، فضلا عما في ذلك من غضّ للطرف عن مخالفة مرتكبة من قبل الغائبين والمجاملة بعدم اتخاذ الاجراءات الصحيحة معهم استنادا إلى مبدأ «غائب بعذر» باتصال أو بخبر بواسطة نائب آخر أو بتبليغ من موظف، وهكذا قد آلت حال لجان المجلس وتلاشت الجدية لدى أعضائه.
بل إن الرغبة الجامحة لبعض الأعضاء في أن يسيّر عمل اللجان التي هو فيها وفقا لهواه ورغبته ومزاجه الشخصي، حملت هذه الظاهرة على التفاقم والانتشار إلى الحدّ الذي تفتتح فيه أعمال اللجان أحيانا بوجود عضو واحد، ويقول ان الأعضاء الآخرين سيلحقون باللجنة، وتبدأ أعمال اللجنة وتُشارف على الانتهاء ويدخل في هذه الأثناء نائب آخر أو نائبان، فلا يتحقق النصاب، ويعتبر رئيس اللجنة أو مقررها أن اللجنة منعقدة بصفة «لجنة فرعية» وهي ليست كذلك، مما يعني أن هناك نوعا من اللامسؤولية في طريقة انعقاد اللجان بصورة غير مشروعة تُصيب أعمالها وقراراتها كافة بالبطلان وعدم المشروعية.
وقد تسللت ظاهرة جديدة لعدم مشروعية انعقاد لجان المجلس تمثلت بعقد اجتماع للجان المجلس على هامش الجلسة العامة للمجلس، دون تكليف منه، علما بأنه حسب القانون واللائحة الداخلية للمجلس، فإن انعقاد الجلسة العامة للمجلس يجبّ عمل اللجان ويمنع انعقادها لأنه لا يجوز للأعضاء الغياب عن الجلسة العامة أو الخروج من أجل اجتماعات لجان خلال هذه الفترة، وهذه مخالفة للدستور واللائحة، لكنها للأسف تتم، لأنه يبدو أن عددا من الأعضاء لديهم ارتباطات أكثر وأهم من عضويتهم في مجلس الأمة، فليس لديهم من الوقت إلا حضورهم لجلسات مجلس الأمة العامة، حتى يتم التسلل منها خلسة إلى جلسات اللجان الباطلة في هذه الحالة.
وعلى كل من يدّعي حمايته للدستور والقانون والنظام من رئيس المجلس إلى الحكومة وإلى كل عضو من الأعضاء ألا يقبل بمثل هذه الممارسة غير المشروعة، وأن يتصدّى لها إن كان سينتصر للدستور والقانون والمشروعية ويقدّر الشعب الذي اختاره وانتخبه لهذه المسؤولية، فهل نرى تحركا في هذا الخصوص؟!
اللهم إني بلغت،،